القاضي التنوخي
58
الفرج بعد الشدة
فلمّا كان وقت المغرب ، أتاني بماء ، فتوضّأت ، وصلّيت ، وأرخى عليّ الليل سدوله ، فأيست من الحياة ، وسمعت أبواب المدينة تغلق ، فامتنع عنّي النوم . فلمّا ذهب صدر من الليل ، أتاني الخصيّ ، ففتح عنّي ، ومضى بي ، فأدخلني صحن دار ، ثم أدناني من ستور مسدولة . فخرج علينا خادم ، وأدخلنا ، فإذا أبو جعفر وحده ، والربيع قائم ناحية . فأكبّ أبو جعفر هنيهة ، مطرقا ، ثم رفع رأسه ، فقال : هيه . فقلت : يا أمير المؤمنين ، أنا قطن بن معاوية . فقال : واللّه لقد جهدت عليك جهدي ، حتى منّ اللّه عليّ بك . فقلت : يا أمير المؤمنين ، قد واللّه جهدت عليك جهدي ، وعصيت أمرك ، وواليت عدوّك ، وحرصت على أن أسلبك ملكك ، فإن عفوت فأهل ذلك أنت ، وإن عاقبت فبأصغر ذنوبي تقتلني . قال : فسكت هنيهة ، ثم قال : أعد ، فأعدت مقالتي . قال : فإنّ أمير المؤمنين قد عفا عنك . قال : فقلت : يا أمير المؤمنين إنّي أصير وراء بابك فلا أصل إليك ، وضياعي ودوري مقبوضة ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يردّها عليّ ، فعل . قال : فدعا بدواة ، ثم أمر خادما له أن يكتب بإملائه ، إلى عبد الملك بن أيّوب النميري « 7 » ، وهو يومئذ على البصرة : أنّ أمير المؤمنين قد رضي عن قطن بن معاوية ، وقد ردّ عليه ضياعه ودوره وجميع ما قبض عليه ، فاعلم ذلك وأنفذه إن شاء اللّه تعالى . قال : ثم ختم الكتاب ، ودفعه إليّ ، فخرجت من ساعتي ، لا أدري أين
--> ( 7 ) عبد الملك بن أيّوب بن ظبيان النميري : استعمله المنصور على البصرة في السنة 154 وعزله في السنة 155 ثمّ أعاده في السنة 159 ( الكامل لابن الأثير 5 / 612 و 6 / 6 و 40 و 41 ) .